محمد بن جرير الطبري

11

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فاحشة : وجدنا عليها آباءنا ، والله أمرنا بها ، والله لا يأمر بالفحشاء أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ يقول : أو كذب بما بعث الله به رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم من توحيده ، والبراءة من الآلهة والأنداد لما جاءه هذا الحق من عند الله أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ يقول : أليس في النار مثوى ومسكن لمن كفر بالله ، وجحد توحيده وكذب رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ وهذا تقرير ، وليس باستفهام ، إنما هو كقول جرير : ألستم خير من ركب المطايا * وأندى العالمين بطون راح إنما أخبر أن للكافرين بالله مسكنا في النار ، ومنزلا يثوون فيه . القول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ يقول تعالى ذكره : والذين قاتلوا هؤلاء المفترين على الله كذبا من كفار قريش ، المكذبين بالحق لما جاءهم فينا ، مبتغين بقتالهم علو كلمتنا ، ونصرة ديننا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا يقول : لنوفقنهم لإصابة الطريق المستقيمة ، وذلك إصابة دين الله الذي هو الإسلام الذي بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ يقول : وإن الله لمع من أحسن من خلقه ، فجاهد فيه أهل الشرك ، مصدقا رسوله فيما جاء به من عند الله بالعون له ، والنصرة على من جاهد من أعدائه . وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا فقلت له : قاتلوا فينا ، قال : نعم . آخر تفسير سورة العنكبوت [ تفسير سورة الروم ] القول في تأويل قوله تعالى : ألم . . . سَيَغْلِبُونَ . . . هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ قال أبو جعفر : قد بينا في ما مضى قبل معنى قوله ألم وذكرنا ما فيه من أقوال أهل التأويل فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع . وقوله : غُلِبَتِ الرُّومُ اختلفت القراء في قراءته ، فقرأته عامة قراء الأمصار : غُلِبَتِ الرُّومُ بضم الغين ، بمعنى : أن فارس غلبت الروم . وروي عن ابن عمر وأبي سعيد في ذلك ما : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثني أبي ، عن الحسن الجفري ، عن سليط ، قال : سمعت ابن عمر يقرأ " ألم غلبت الروم " فقيل له : يا أبا عبد الرحمن ، على أي شيء غلبوا ؟ قال : على ريف الشام . والصواب من القراءة في ذلك عندنا الذي لا يجوز غيره ألم غُلِبَتِ الرُّومُ بضم الغين ، لإجماع الحجة من القراء عليه . فإذ كان ذلك كذلك ، فتأويل الكلام : غلبت فارس الروم . فِي أَدْنَى الْأَرْضِ من أرض الشام إلى أرض فارس وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ يقول : والروم من بعد غلبة فارس إياهم سَيَغْلِبُونَ فارس فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ غلبتهم فارس وَمِنْ بَعْدُ غلبتهم إياها ، يقضي في خلقه ما يشاء ، ويحكم ما يريد ، ويظهر من شاء منهم على من أحب إظهاره عليه وَيَوْمَئِذٍ